اليعقوبي

52

البلدان

بغداد ولا نقصت أسواقها ، لأنهم لم يجدوا منها عوضا ولأنه اتصلت العمارة والمنازل بين بغداد وسر من رأى في البر والبحر أعني في دجلة وفي جانبي دجلة . سر من رأى قد ذكرنا بغداد وابتداء أمرها والوقت الذي بناها أبو جعفر المنصور فيه ، ووصفنا كيف هندست ، وهندست أرباضها ، وقطائعها ، وأسواقها ، ودروبها ، وسككها ، ومحالها في الجانب الغربي من دجلة ، وهو جانب المدينة والكرخ . والجانب الشرقي وهو جانب الرصافة الذي يسمى عسكر المهدي ، وقلنا في ذلك بما علمنا ، فلنذكر الآن سر من رأى ، وإنها المدينة الثانية من مدن خلفاء بني هاشم . وقد سكنها ثمانية خلفاء منهم المعتصم وهو ابتدأها وأنشأها ، والواثق وهو هارون بن المعتصم ، والمتوكل جعفر بن المعتصم « 1 » ، والمنتصر محمد بن

--> أبو الفضل ، خليفة عباسي ، ولد ببغداد سنة 206 ه / 821 م بعد وفاة أخيه الواثق سنة 232 ه ، وكان جوادا محبّا للعمران من آثاره المتوكّليه ببغداد ، أنفق عليها أموالا كثيرة ، وسكنها . ولما استخلف كتب إلى أهل بغداد كتابا قرىء على المنبر بترك الجدل في القرآن ، وأن الذمة بريئة ممن يقول بخلقه أو غير خلقه . ونقل مقرّ الخلافة من بغداد إلى دمشق ، فأقام بهذه شهرين ، فلم يطب له مناخها ، فعاد وأقام في سامرّا إلى أن اغتيل فيها ليلا سنة 247 ه / 861 م ، بإغراء ابنه المنتصر ، ولبعض الشعراء هجاء في المتوكّل لهدمه قبر الحسين وما حوله سنة 236 ه ، وكثرت الزلازل في أيامه فعمّر بعض ما خرّبت ، وكان يلبس في زمن الورد الثياب الحمر ، ويأمر بالفرش الأحمر ، ولا يرى الورد إلّا في مجلسه ، وكان يقول : أنا ملك السلاطين والورد ملك الرياحين وكلّ منّا أولى بصاحبه . ( 1 ) المنتصر : المنتصر العباسي هو محمد المنتصر بالله بن جعفر المتوكّل على اللّه بن المعتصم ، أبو جعفر ، من خلفاء الدولة العباسية ، ولد في سامرّاء سنة 223 ه / 738 م ، وبويع بالخلافة بعد أن قتل أباه سنة 247 ه ، وفي أيامه قويت سلطة الغلمان ، فحرّضوه على خلع أخويه المعتزّ ، والمؤيّد ، وكانا وليي عهده فخلعهما ، وهو أول من عدا على أبيه من بني العباس ، ولم تطل مدّته . وكان إذا جلس إلى الناس يتذكّر قتله لأبيه فترعد فرائصه . قيل : مات مسموما بمبضع طبيب ، وفاته بسامرّاء سنة 248 ه / 862 م ، ومدة خلافته ستة أشهر وأيام ، وهو أول خليفة من بني العباس عرف قبره ، وكانوا لا يحفلون بقبور موتاهم ، إلا أن أمه طلبت إظهار قبره . وكان له خاتمان نقش على أحدهما : محمد رسول اللّه ، وعلى الثاني : المنتصر بالله .